24
الأحد, كانون2
0 مواد جديدة

كيف ننتصر على كورونا.. نفسياً؟

المدونة
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

مع تحول جميع وسائل الإعلام في العالم للتركيز على تطور أخبار انتشار فيروس كورونا المستجد، كوفيد-19، لحظة بلحظة، يجد الناس أنفسهم محاصرين بالأخبار المزعجة والمؤلمة نفسياً للعدد الكبير من الإصابات، والعدد المؤسف من الوفيات. الأمر الذي يتركهم في حالة من القلق والخوف.

ورغم أن القلق والخوف هي مشاعر لطالما ساعدت الناس على تجنب المخاطر، ودفعتهم إلى البحث عن طرق لتلافي المصائب والكوارث، إلا أن الشعور بهما بأكثر مما يجب يتحول إلى سلاح فتاك ضد الناس أنفسهم، ويساعد على إضعاف قدرتهم على مواجهة الأمراض جميعها، وبينها فيروس كورونا المستجد.

منظمة الصحة العالمية، والعديد من الجهات الموثوقة بهذا الخصوص، بدأت بالتحذير من تصاعد القلق والخوف الزائدين من انتشار الفيروس واحتمال الإصابة به، بسبب ما يتركه من انعكاسات سلبية على الناس أنفسهم، وعلى سلوكهم، وأيضاً على قدرة الدول على مواجهة الوباء. فالخوف والقلق الزائدين يدفعان الناس إلى استهلاك الكثير من المنظفات والمعقمات دون داع، وإلى استخدام الكمامات بطريقة تؤثر جدياً على تلبية حاجة الكادر الطبي.

وفي حياة البشر الكثير من الأدلة على كيف تمكن العدو من كسب المعركة فقط باستخدام خوف وقلق الآخرين، عبر بث الشائعات والأخبار الزائفة التي تؤثر على نفسيتهم، أو حتى عبر تركيز الإضاءة على السلبيات وإخفاء الإيجابيات أو التقليل من قيمتها.

ولا يختلف الأمر مع فيروس كورونا. فقد يتمكن من إصابتنا أكثر إن تمكنت منا الأخبار السلبية والزائفة والإشاعات، وبالتالي إن تمكن منها الخوف والقلق المبالغ بهما.

لا يفيد، طبعاً، نشر أخبار إيجابية زائفة، أو تصديق إشاعات مغلوطة تقلل من خطورة الفيروس. بل ما يفيد فعلاً هو رؤية الواقع كما هو. وهذا الوقع يقول أن هناك بلداً يشكل عدد سكانه نحو 20 % من سكان العالم، الصين بأكثر من 1.4 مليار شخص، تمكن من حجر الفيروس وإيقاف انتشاره خلال بضعة أشهر، مع عدد وفيات قليل نسبياً، وعدد متعافين كبير جداً شكل أكثر من 80% من عدد الإصابات.

هذه حقيقة مؤكدة تقول بأننا لسنا عاجزين في مواجهة الفيروس، وأن هذه المعركة التي بدأت منذ وقت قصير تسير لمصلحتنا، وليس لمصلحة الفيروس، دون أن يقلل ذلك من الحزن والأسف على من توفي، أو على من عانى من أعراض شديدة للإصابة بالفيروس.

حقيقة أخرى تقول بأن الوعي والهدوء والتعامل الدقيق مع بعض الإجراءات الأساسية، مثل التباعد الاجتماعي الذي يعني تجنب الاختلاط، وتجنب الممارسات المعتادة مثل المصافحة والتقبيل والاحتضان، وغسيل اليدين بالماء والصابون لوقت كاف.. هي إجراءات كفيلة بحمايتنا بشكل شبه تام من العدوى. وهذه الإجراءات جميعها إجراءات يمكننا أن نقوم بها دون عناء جسدي أو تكاليف مادية، رغم أنه قد تزعجبنا بعض الشيء لأننا اعتدنا، خاصة في الشرق الأوسط، على علاقات حميمية قريبة بين الأقارب وبين الأصدقاء أيضاً.

حقيقة ثالثة تقول بأن عدداً غير مسبوق من العلماء والمختبرات والكوادر العلمية تعكف على إيجاد دواء ولقاح لمواجهة فيروس كورونا المستجد، بل وتتعاون بعضها مع بعض. الأمر الذي يعني أن الوقت لن يطول حتى يتمكن هؤلاء من توجيه صفعة قوية للفيروس بإيجاد الدواء للمرضى واللقاح للأصحاء، بحيث لن يجد الفيروس مفراً من أن ينكفئ.

حقيقة رابعة تؤكد أننا، نحن البشر، استطعنا أن نطور مناعتنا في مواجهة المستجدات من البكتيريا والجراثيم والفيروسات، وأن نحولها إلى كائنات تتعايش معنا مع القليل من الأضرار، مثلما هو الحال اليوم مع الكريب مثلاً. وأن أجسامنا بدأت فعلاً بالتصرف الذكي بالطريقة نفسها تجاه كوفيد-19.

هذه الحقائق كلها هي حقائق إيجابية، يجب أن نراها بإيجابيتها، دون أن نغض الطرف عن السلبيات. لكن رؤيتنا وتقديرنا لأهمية هذه الإيجابيات هي خير مساعد لنا في حربنا "النفسية" ضد الفيروس، وفي تعزيز قدرة أجسامنا على مواجهته في حال الإصابة به، فمن المعروف أهمية الحالة النفسية في تعزيز الشفاء عند المرضى في الكثير من الأمراض.

مع ذلك، من المهم جداً أن نتخذ بعض الإجراءات في هذا الإطار النفسي المعنوي، توصي بها منظمة الصحة العالمية والعديد من الجهات المختصة الموثوقة، مثل عدم السماح لأنفسنا بمتابعة الأخبار لحظة بلحظة، بل اختيار أوقات محددة، مرتين في اليوم مثلاً، للاطلاع على آخر المستجدات، مع ضرروة اعتبار حالات التعافي، وقصص النجاح، جزءاً اساسياً من هذه المستجدات، وليس فقط ارتفاع عدد الحالات أو المتوفين.

وكذلك، من المهم أن نرى ما يفعله الكادر الطبي في العالم، أطباء وممرضات وعاملين في المجال الصحي في مختلف جوانبه، فهذا يعزز ثقتنا بقدرتنا كبشر على مواجهة التحديات، بما فيها تحدي كورونا، وفي الوقت نفسه يعطي هؤلاء الجنود الأبطال في الخطوط الأممية بعض التقدير.

وفي الواقع، فإن بعض الخطوات الأخرى لمن يستطيع إليها سبيلاً، مثل التبرع، ومساعدة المحتاجين.. ستكون أيضاً عاملاً مهماً في تعزيز ثقتنا بأنفسنا وبإنسانيتنا، وينعكس ذلك بشكل إيجابي على صحتنا النفسية، وحتى على قدرة جهازنا المناعي على المواجهة.

تحدي كورونا اليوم لا يحتاج فقط إلى الالتزام بأقصى إجراءات الحماية، رغم إزعاجها، فحسب، بل أيضاً بفعل كل ما يحسن نفسياتنا، ويمنع الفيروس من استغلال القلق والخوف الإيجابيين عبر تحويلهما إلى "حصان طروادة" يدمرنا من الداخل.


إعداد: صحتك 19