24
الخميس, أيلول
0 مواد جديدة

التجربة الصينية في التعامل مع كوفيد-19.. أزمة وحلول

المدونة
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

أعد "بيت المحتوى" تقريراً موسعاً يضيء فيه على التجربة الصينية المميزة في مجال الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد، كوفيد-19، مظهراً العوامل والأسباب التي أدت إلى نجاح هذه التجربة بشهادة جميع المختصين، فيما دعت منظمة الصحة العالمية مراراً إلى الاستفادة من هذه التجربة بصفتها تجربة مميزة قابلة للتطبيق في أماكن أخرى.

التقرير الذي ننشر محتواه أدناه، يمكن الاطلاع عليه أيضاً بصيغة PDF، على الرابط التالي (انقر هنا..).


مقدمة

انطلقت أزمة فيروس كورونا المستجد، أو ما اصطلح على تسميته مرض كوفيد-19، من الصين. ولعبت الكثافة السكانية دوراً هاماً في تفشي الفيروس في مدينة ووهان، وهو ما وضع السلطات الصينية أمام تحديات كبيرة للتعامل مع هذه الحالة. وكان الخيار الذي اتخذته الحكومة الصينية جريئاً ومكلفاً في الوقت عينه، إلا أن التجارب الأخرى التي اتخذتها بعض الدول الأوروبية، والتي لم تتبع فيها خطوات الصين بفرض العزل والحجر، أثبتت فشلها.

من هنا أردنا في هذا الملف أن نلقي الضوء على الإجراءات التي اتخذتها الصين وكيفية تعاملها مع انتشار فيروس كورونا المستجد، لأخذ العبر ودراسة الحالة والاستفادة من هذه الخبرة في دول أخرى، خاصة في منطقتنا العربية.

يمكن تلخيص أسلوب الصين في التعامل مع انتشار الفيروس بكلمات بسيطة: "اتباع وتطبيق سياسات صارمة مناسبة في أقصر وقت ممكن". سنستعرض لكم في هذا التقرير النموذج الصيني في التعامل مع أزمة كوفيد-19 وكيف نجحت الصين عبر تضافر جهود الحكومة والشركات والمجتمع في السيطرة على تفشي الفيروس، لتتحول من بلد موبوء بكوفيد-19 إلى بلد بات نموذجاً يحتذى به في التعامل مع الأزمات من هذا النوع.

"بيت المحتوى" أعد هذا البحث ليقدم صورة متكاملة عن هذه التجربة المتميزة التي يمكن للجميع الاستفادة منها، معتمداً على مصادر المعلومات الموثوقة فقط،شأنه في ذلك شأن الموقع الإلكتروني الذي أطلقه باللغة العربية، صحتك 19، والمخصص للمعلومات الموثوقة في مجال فيروس كورونا المستجد، من مصادرها العالمية.


 

لمحة عامة

في يناير 2020، وبعد تفشي حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد المعروف باسم كوفيد-19 في ووهان وبعض الأماكن الأخرى في الصين، سارعت الحكومة الصينية إلى تعبئة جميع الجهود ووضع سياسات صارمة لاحتواء تفشي الوباء، او كما أسمته منظمة الصحة العالمية بعد ذلك "جائحة عالمية". وتم على الفور عقد أولى اجتماعات في إطار ما يُعرف بالصين بالآلية المشتركة للوقاية والسيطرة على الأمراض التابعة لمجلس الدولة لوضع سياسة شاملة للوقاية من كوفيد-19 ومكافحته.

ومنذ ذلك الحين، لم تدخر الصين حكومةً وشعباً أي جهد لمكافحة الوفاء، حيث واصلت تحديث الآليات والسياسات المطبقة لسد أي ثغرات تنظيمية والتكيف مع الوضع الآني للأزمة على أرض الواقع.

وأدركت الصين منذ البداية ضرورة العمل المشترك بين الحكومة والمجتمع للتمكن من مكافحة تفشي الفيروس، وهذا عمل يتطلب اتباع منهجية على قدر عالي من التنظيم على جميع المستويات والقطاعات، حيث قد يؤدي الإهمال من أي طرف إلى فشل منظومة العمل الوقائي بأكملها. لذلك حرصت الصين على تفعيل دور جميع المؤسسات الحكومية والشركات والقطاع الخاص والمجتمع بمختلف فئاته ومؤسساته في إدارة هذه الأزمة.

وبذلك تمكنت الصين من حشد الجهود لتوفير جميع الموارد لمواجهة الأزمة، وتطوير الحلول واستقدام الخبرات الوطنية من أنحاء البلاد لتنسيق وتنظيم مختلف الدوائر التي تندرج ضمن الآلية المشتركة للوقاية والسيطرة على الأمراض التابعة لمجلس الدولة، وتفعيل الشراكات بين الحكومات المحلية، وتعبئة القوى المجتمعية وتفعيل دور المؤسسات والمنظمات الاجتماعية.

ونظراً لكون الآلية المشتركة تتكون من 32 دائرة، تمكنت الصين من توفير الدعم الطبي واللوجستي للوقاية والسيطرة ومكافحة كوفيد-19 وتوفير جميع المعلومات الضرورية ذات الصلة. ونجحت بحشد أكثر من 40 ألف من المختصين في المجال الطبي، وكميات هائلة من المستلزمات الطبية والمواد المعيشية من أنحاء البلاد لدعم مقاطعة هوبي وعاصمتها ووهان، بؤرة تفشي كوفيد-19 في الصين.

أما المرحلة التالية، فهي الأهم للحد من تفشي الفيروس، وهي رفع مستوى الوعي لدى أفراد المجتمع في أنحاء البلاد حول تدابير الوقاية من العدوى بكوفيد-19، وهنا كان رد فعل المجتمع وكيفية تعامله مع الأزمة مذهلاً، حيث أدرك الصينيون ضرورة البقاء في منازلهم والالتزام بتعليمات الحجر المنزلي واتباع القواعد الصحية، وتقديرهم للجهود الجبارة التي يبذلها عشرات الآلاف من العاملين في المجال الصحي، معتبرين أن التزامهم بالحجر المنزلي واجباً وطنياً، فضلاً عن مساهماتهم الطوعية بالمال أو بتقديم الخدمات الضرورية لتعزيز الجهود المبذولة للسيطرة على الفيروس.

ولعل أكثر ما أتقنت الصين تسخيره في مواجهة هذه الأزمة، هو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فعلى سبيل المثال، قام عملاق التجارة الإلكترونية، مجموعة علي بابا، بتطوير نظام قائم على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قادر على كشف المصابين بفيروس كوفيد-19 بدقة تتجاوز 90% في غضون 20 ثانية باستخدام التصوير بالأشعة المقطعية، على عكس الأساليب الأخرى المتبعة التي تحتاج 15 دقيقة للكشف عن الإصابة بالفيروس.


 

الدروس المستقاة من التجربة الصينية

1. السرعة والدقة في الكشف عن الفيروس
في غضون أسبوع واحد من الكشف عن فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، نجحت الصين في تفكيك تسلسل الأحماض الأمينية الأساسية للفيروس وإرسال المعلومات الجينية إلى منظمة الصحة العالمية، على عكس فيروس السارس الذي استغرق في الكشف عن تسلسله الجيني عدة أشهر في عام 2003، وفيروس نقص المناعة المكتسب (الأيدز) الذي استغرق عدة سنوات في الثمانينيات، حيث يعد تحديد التسلسل الجيني لأي فيروس أمراً بالغ الأهمية لناحية تطوير اللقاحات وإيجاد العلاج المناسب لها.

وبعدما تمكن العلماء من الكشف عن التسلسل الجيني لفيروس كوفيد-19 خلال وقت قصير، سارعت مراكز الأبحاث حول العالم بتطوير مجموعة من اللقاحات الأولية ليتم اختبار مدى نجاعتها في علاج المصابين بالفيروس الذي أصبح خلال فترة قصيرة جائحة عالمية طالت جميع دول العالم.

وللتمكن من السيطرة على تفشي أي وباء مثل كوفيد-19، تحتاج الدول إلى اتباع طرق محددة تتسم بالموثوقية والدقة والسرعة في الكشف عن المصابين وغير المصابين. وهذا ما كانت تفتقر إليه الصين خلال الأيام الأولى من تفشي الفيروس في ووهان، حيث لم تكن هناك وسائل فحص محددة لهذا الفيروس الجديد، واعتمد الفحص عن الإصابة بالفيروس في مراحل تفشيه الأولى على التحليل المخبري لتسلسل الحمض النووي، وهذه طريقة مكلفة تتطلب جهوداً كبيرة.

لذا سارعت الإدارة الوطنية للمنتجات الطبية في الصين باتخاذ الإجراءات اللازمة لتسريع عمل شركات التكنولوجيا الحيوية لتطوير مجموعة من الوسائل الناجعة للكشف عن الإصابة بالفيروس. وبالفعل تم طرح أول مجموعة في 13 يناير مع توفير إمدادات كافية منها بعد أسبوعين.



2. اتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت والمكان المناسبين
عززت هذه الحالة الصحية الطارئة في الصين أهمية الاستماع إلى العلماء وخبراء الصحة العامة في كل ما يتعلق بالوباء ومسار تفشيه. وأثبتت إدارة المخاطر الاستباقية في الصين قدرتها على احتواء تفشي كوفيد-19 والسيطرة عليه عبر تعزيز التعاون بين الجهات الحكومية وخبراء الصحة. كما ساعد الكشف في الوقت المناسب عن البيانات السريرية للفيروس الجديد للعالم ومنظمة الصحة العالمية في اتخاذ التدابير الاحترازية بشكل أسرع. فعلى سبيل المثال، عندما قامت الصين بتحليل بيانات أكثر من 40 ألف حالة إصابة بكوفيد-19، علمنا أن 80% من المصابين ليسوا بحاجة إلى تدخل طبي فوري، بينما 20% منهم بحاجة إلى علاج ورعاية طبية.

وكانت مقاطعة جيجيانغ أول من رفع حالة الاستجابة لإدارة المخاطر إلى أعلى مستوياتها خلال الأيام الأولى من تفشي الفيروس، عندما لم تكن هناك أي حالات مؤكدة.

وفيما يلي بعض الدروس المستقاة من تجربة هانغتشو، عاصمة مقاطعة جيجيانغ، في السيطرة على كوفيد-19:
• تقديم إرشادات وتوجيهات واضحة حول مستوى ونطاق الحجر المنزلي
• متابعة إجراءات الحجر على مستوى الأفراد والمنازل والمجتمعات والمؤسسات والمرافق العامة والمدينة بشكل عام
• التأكد من وصول المواد الأساسية مثل المواد الغذائية والإمدادات الرئيسية إلى المدينة من خلال اتباع إجراءات تنظيمية صارمة من قبل الحكومة
• تخصيص مرافق لرعاية وإدارة المراض المعدية لعزل ومراقبة ومعالجة الحالات المؤكدة إصابتها بكوفيد-19
• تطوير أنظمة تتبع وتسجيل إلكترونية وإعداد فرق استجابة محلية للتعامل مع حالات الإصابة المؤكدة على مدار الساعة
• إنشاء قنوات اتصال مركزية للبقاء على تواصل مع المواطنين واطلاعهم بكل جديد



3. استخدام تكنولوجيا المعلومات والبيانات الضخمة
كانت هانغتشو، التي تتخذها مجموعة علي بابا مقراً لها، واحدة من أولى المدن التي تستخدم تكنولوجيا المعلومات والبيانات الضخمة في الحد والسيطرة على مسار تفشي كوفيد-19، حيث عملت على تطوير منهجية عمل أطلقت عليها "خريطة واحدة، كود واحد، مرجع واحد" (one map, one QR code, and one index).

وبعد البدء بتطبيق هذه المنهجية، تم السماح لبعض الشركات والمؤسسات باستئناف أعمالها واستقبال موظفيها. ونستعرض فيما يلي بعض السياسات التي عمدت هذه الشركات والمؤسسات إلى تطبيقها في هذا الخصوص:

• استأنفت الشركات أعمالها على عدة مراحل على أساس الأولويات، حيث تم السماح أولاً للمرافق ذات الصلة بمجال الرعاية الصحية.
• تم تخفيف القيود بناءً على سجلات مسار تفشي الفيروس
• تم إنشاء نظام مرور لجميع من في المدينة وكل شخص يدخلها بالاعتماد على رموز الاستجابة السريعة QR Code، حيث يسمح الرمز الأخضر لحامليه بالتحرك في المدينة بحرية، بينما يشير الرمز الأصفر إلى الالتزام بالحجر الصحي لمدة 7 أيام، أما الرمز الأحمر يفرض على حامليه الحجر الإلزامي الشخصي لمدة 14 يوماً. وبعد قضاء فترة الحجر الصحي، يمكن أن يعود الرمزان الأصفر والأحمر إلى اللون الأخضر. وتم تطبيق هذا النظام في معظم مدن مقاطعة جيجيانغ.
• يجب على كل شخص مراقبة درجة حرارته بشكل منتظم وتسجيلها وتحديث ملفه الصحي يومياً لمتابعة حالته الصحية.
• يتم مراقبة قاعدة البيانات الصحية من قبل مركز هانغتشو للسيطرة على الأمراض والوقاية منها.
وقد أثبتت بالفعل هذه التقنيات فعاليتها في السيطرة على مسار تفشي الفيروس في هانغتشو. وعلى الرغم من التحديات المتمثلة في احتمالية تفشي الفيروس في المدينة مجدداً عبر أي من المسافرين القادمين إليها، إلا أنه حتى الآن تبدو الأوضاع تحت السيطرة.

 

4. تقييم الموارد الطبية وأنظمة الاستجابة ومدى جاهزيتها لحالات الأوبئة لناحية المخزون وعدد الطواقم الطبية وسبل حمايتهم
أظهر الصينيون قدراً عالياً من المسؤولية في مواجهة كوفيد-19. إلا أن ارتفاع معدل الوفيات في ووهان يُعزى بشكل رئيسي إلى نقص في الموارد الطبية المتاحة في بداية ظهور وتفشي الفيروس. وأدى افتقار المدينة إلى وجود آليات استجابة سريعة لإدارة الكوارث إلى تفشي الفيروس بين المرضى والعاملين في مجال الرعاية الصحية في المستشفيات خلال الأسابيع الأولى.

أما في مقاطعة جيجيانغ، فكانت الجهات الحكومية أكثر استعداداً، حيث نجحت بتعبئة الجهود اللازمة على الفور وتأمين الموارد اللازمة، فضلاً عن إدارة ومراقبة مسار تفشي الوباء بشكل استباقي. ففي هانغتشو، قام أكثر من 200 طبيب مختص في الصحة العامة بالتقصي عن الحالات المصابة ومع من تواصلوا خلال الفترة السابقة من اكتشاف إصابتهم بكوفيد-19 والتأكد من إبقائهم جميعاً تحت المراقبة.

والجدير بالذكر هنا أنه في ظل كل هذه الأحداث نجح الأطباء في هانغتشو بإجراء أول عملية زراعة رئة مزدوجة في العالم لمريض بالالتهاب الرئوي التاجي الجديد الناتج عن الإصابة بفيروس كورونا المستجد، حيث أجريت العملية لمريض يبلغ 59 عاماً أصيب بالمرض يوم 23 يناير بعد أن تم تشخيصه بالالتهاب الرئوي التاجي الجديد يوم 26 يناير. وبعد سلسلة من العلاجات شفي المريض من فيروس كورونا ولكن المرض أثر بشكل كبير على رئتيه، ما تطلب من الأطباء التدخل عبر إجراء عملية زرع مزدوجة للرئة، بعد أن تم التبرع بها من قبل مرضى يعانون من موت الدماغ.

وبالعودة إلى ووهان، كان النقص في الإمدادات الطبية الوقائية وقلة المعلومات حول كوفيد-19 من أبرز العوامل التي تسببت بإصابة عدد كبير من العاملين في مجال الرعاية الصحية خلال الأسابيع الأولى من تفشي الفيروس في المدينة. ما تطلب التدخل السريع على مستوى الصين لمعالجة الموقف هناك، حيث تم إرسال 31 فريقاً طبياً يضم أكثر من 42 ألف طبيب وممرض إلى ووهان للمساعدة في مكافحة الفيروس. كما تم بناء مستشفيين جديدين يتسعان لأكثر من 1000 سرير خلال وقت قياسي في أقل من 10 أيام.



 

5. اتخاذ التدابير الوقائية على مستوى المجتمع والمدارس والشركات والمؤسسات الحكومية والمنازل
مكافحة كوفيد-19 هي مسؤولية كبيرة يتشاركها الجميع، سواء حكومات أو شركات أو أفراد المجتمع، فالجميع في ذات الخندق يواجهون ذات الخطر. ونظراً لكون كوفيد-19 مرض معدي للغاية وقادر على الانتشار بصورة سريعة بدون أي أعراض فورية، كان من المهم جداً تفعيل دور المجتمع في الجهود المبذولة لمكافحة الفيروس.

ويعد نجاح مدينة هانغتشو، البالغ عدد سكانها 10 مليون نسمة، في تطبيق التدابير الاحترازية والوقائية على جميع المستويات مثالاً يحتذى به عالمياً. إذ يعد تفعيل دور كل فرد وشركة ومؤسسة ومحاسبة المقصرين هو أحد مفاتيح النجاح في مواجهة الفيروس والحد من تفشيه.

كما أن التخطيط الدقيق والتوجيه الواضح عاملان مهمان في مثل هذه الحالات. وهذا ما أدركته مدينة هانغتشو منذ البداية، حيث لم تسمح للموظفين بالعودة إلى العمل إلا بعد التأكد من السيطرة على الفيروس واتخاذ جميع التدابير الوقائية اللازمة، ومع ذلك لم تسمح لهم بالعودة إلا على عدة مراحل. كما كان توجه العديد من الشركات والمؤسسات والمدارس والجامعات نحو مفهوم العمل والتعلم عن بعد مفيداً للغاية في تحريك عجلة الحياة في المدينة بشكل جزئي ومسؤول.

ويبقى من المستحسن أثناء تفشي الأوبئة تجنب التجمعات الكبيرة والتماس المباشر مع أشخاص آخرين. فقد تكون الصين خسرت مليارات الدولارات بسبب توقف جميع الأعمال والحركة الاقتصادية فيها، إلا أنها تمكنت من السيطرة على الفيروس ومسار تفشيه.

6. إبقاء المجتمع على اطلاع دائم
أنشأت الصين قنوات اتصال مفتوحة على مدار الساعة لاطلاع المجتمع على كل ما هو جديد بخصوص كوفيد-19. ففي هانغتشو على سبيل المثال، تقدم القنوات والنشرات الإخبارية آخر المستجدات على مدار الساعة حول عدد الإصابات بكوفيد-19 ونتائج العلاج السريري والخطط التي سيتم تنفيذها بهذا الخصوص والتوجيهات والإجراءات الواجب اتباعها.




استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في مواجهة كوفيد-19

بعد تفشي كوفيد-19 في ووهان، مخلفاً آلاف الضحايا والملايين في دائرة الخطر، انهارت خطوط الإمداد حرفياً وتوقف الاقتصاد وأغلقت المصانع وتم عزل المدينة بالكامل عن محيطها. كانت كارثة كبيرة غير مسبوقة وغير متوقعة. وفي ضوء كل ذلك، سارعت الصين إلى حشد كل ما يلزم من إمدادات وطواقم طبية من المقاطعات الأخرى وإرسالها إلى ووهان للسيطرة على الوضع.

وفي ذات الوقت، ونظراً لكونها من الدول الصناعية الكبرى المتطورة تقنياً، سخرت الصين ما تملك من تطور تقني لدعم الجهود المبذولة لمكافحة تفشي الفيروس. ما ساعدها على الحد من انتشار الفيروس ومراقبة حالة المجتمع الصحية بشكل أدق خلال هذه الأزمة الصحية العالمية، فضلاً عن تمكن العلماء بمساعدة التكنولوجيا من فك الشيفرة الجينية للفيروس في أقل من شهر، وهذا إنجازاً بحد ذاته.

فيما يلي بعض الحلول والابتكارات التقنية التي لجأت إليها الصين للسيطرة على مسار تفشي كوفيد-19:

1. الكود الصحي ثلاثي الألوان
بالاستفادة من شبكة المراقبة المتطورة في الصين لصالح المنفعة العامة، تعاونت الحكومة الصينية مع كبرى شركات التكنولوجيا، مجموعة علي بابا وشركة تينسنت، لتطوير نظام تصنيف صحي يعتمد على رموز الاستجابة السريعة ثلاثية الألوان لتتبع حالة الأفراد الصحية بشكل يومي عبر تطبيق يعمل على الهواتف الذكية، والذي تم إطلاقه أولاً في مدينة هانغتشو بالتعاون مع مجموعة علي بابا.

ويقوم النظام على تخصيص لون محدد – أخضر أو أصفر أو أحمر – لكل شخص بالاستناد على تاريخ سفرهم وتاريخهم الطبي. وتم تطوير برنامج آخر مماثل بالتعاون مع تينسنت في مركز شنتشن الصناعي.

ويحدد البرنامج ما إذا كان يجب عزل الشخص أو السماح له بالتجول في الأماكن العامة بناءً على لون الرمز الذي يحدده التطبيق. وألزمت الحكومة جميع المواطنين باستخدام البرنامج، حيث يُسمح فقط للأشخاص الذين يحملون الرمز الأخضر بالتجول في الأماكن العامة، وذلك عبر استخدام الرمز في محطات المترو والمكاتب والمرافق العامة. وتم وضع نقاط تفتيش في معظم الأماكن العامة ليتم التحقق من الرمز ودرجة حرارة الشخص. وبعد فترة قصيرة، تم اعتماد هذا النظام في أكثر من 200 مدينة في أنحاء الصين.



 

2. الروبوتات
ابتداءً من إعداد وجبات الطعام في المستشفيات، وتقديم الوجبات في المطاعم، وصولاً إلى رش مواد التعقيم، وبيع الأرز وتوزيع مطهرات اليدين، تم استخدام الروبوتات في الخطوط الأمامية في كل مكان لمنع تفشي الفيروس. ويتم استخدامها في العديد من المستشفيات لإجراء التشخيص والتصوير الحراري. كما تستخدمها شركة ميلتي كوبتر Multicopter في شنتشن لنقل العينات الطبية.

ووفقاً لوكالة رويترز، تم استخدام روبوتاً صغيراً يُدعى Little Peanut لإيصال الطعام إلى الركاب الذين كانوا على متن رحلة جوية قادمة من سنغافورة إلى هانغتشو، أثناء عزلهم في أحد الفنادق.

3. طائرات الدرون
في بعض المناطق المتضررة جداً بسبب الفيروس، تم استخدام طائرات الدرونز لنقل المعدات الطبية وعينات المرضى. ما ساعد بتسريع عملية التسليم وتفادي خطر تلوث العينات. كما تم استخدام طائرات درونز مزودة برمز استجابة سريعة QR code يمكن مسحه لتسجيل المعلومات الصحية.

وتم استخدام أيضاً طائرات الدرونز الزراعية لرش المطهرات في المناطق الريفية. وهناك الدرونز المزودة بتقنيات التعرف على الوجه، والتي تم استخدامها لنشر التحذيرات إلى المواطنين بخصوص عدم الخروج من المنازل وتذكيرهم بارتداء أقنعة الوجه.

 

4. البيانات الضخمة وتقنيات التعرف على الوجه
سمح الوصول إلى المعلومات العامة بتطوير لوحات مراقبة معلوماتية قادرة على مراقبة وضبط مسار تفشي الفيروس بصورة مستمرة، حيث بدأت الكثير من المؤسسات والجهات المختلفة بتطوير مثل هذه اللوحات باستخدام البيانات الضخمة. وتم استخدام تقنيات التعرف على الوجه والكشف عن درجة حرارة الأشخاص باستخدام الأشعة تحت الحمراء في جميع المدن الرئيسية.

كما صرحت شركات صينية مختصة بالذكاء الاصطناعي، مثل سينس تايم وهانوانج، أنها طورت تقنية للتعرف على الوجه قادرة على تحديد هوية الأشخاص حتى لو كانوا يرتدون قناعاً طبياً، بعد أن أصبح ارتداؤه أمراً شائعاً هذه الأيام خشية الإصابة بالفيروس. ويتم أيضاً استخدام تطبيقات الهواتف المحمولة لمراقبة حركة الأشخاص والتأكد ما إذا تواصلوا مع أي من المصابين بالفيروس.

وأفادت بعض وسائل الإعلام أن شركة الاتصالات الصينية China Mobile أرسلت رسائل نصية إلى المؤسسات الإعلامية الحكومية تتضمن أسماء المصابين بالفيروس مع جميع التفاصيل حول تاريخ سفرهم، والتي قد تكون مفصلة لدرجة أنها تشمل رقم المقعد الذي كان يجلس به الشخص المصاب بالفيروس في القطار أو حتى رقم المقصورة. وبدورها كانت وسائل الإعلام تنشر هذه المعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي ليتمكن الناس من معرفة ما إذا كانوا على تماس مباشر مع المصابين، ومن ثم الالتزام بالحجر الصحي إذا كان هناك ضرورة لذلك.

والمعروف أن الصين تمتلك واحداً من أقوى أنظمة التتبع والمراقبة في العالم. كما أن الحكومة الصينية تلزم مواطنيها باستخدام بطاقات الهوية الشخصية لشراء شرائح الاتصال SIM للهواتف المحمولة، ولإنشاء حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، وعند التنقل بالقطارات والطائرات، ما يسهل عليها تتبع أي حالة إصابة عبر كاميرات المراقبة المزودة بتقنيات التعرف على الوجهة، والتي يفوق عددها 200 مليون كاميرا في أنحاء البلاد.

5. الذكاء الاصطناعي
أصبح للذكاء الاصطناعي دوراً هاماً في مجال الرعاية الصحية، حيث بات بإمكان الأطباء، بمساعدة تحليلات البيانات والنماذج التنبؤية، فهم الكثير عن بينة الأمراض والفيروسات في وقت أقصر وبشكل أدق.
ووفقاً لموقع ’إم آي تي تكنولوجي ريفيو‘، يمتلك فيروس كورونا المستجد سلوكاً غير قابلٍ للتوقع فضلاً عن قابليته العالية لنشر العدوى، ما دفع الباحثين في المجال الطبي للتركيز على تحليل بنية الفيروس وإعطائها الأولوية من أجل فهمه على أفضل نحوٍ ممكن وتطوير لقاحٍ مناسبٍ له، إلا أن هذه المهمة تمثل تحدياً كبيراً مع هذا الفيروس بالتحديد كونه ينتمي لفصيلةٍ من الفيروسات التاجية المغلفة والتي تتضمن جديلة واحدة من بنية رنا RNA، وبشكلٍ مشابهٍ للفيروسات الأخرى التي تمتلك جديلتين (مثل فيروس الإيدز وإيبولا والانفلونزا) يستطيع فيروس كوفيد-19 أن يقوم بإنشاء طفراتٍ أخرى بسرعةٍ عالية، أي أن هنالك نسخ جديدة ذات بنى مختلفة تظهر بشكلٍ متواصل، ما يجعل عمليات التطوير الهادفة للحصول على لقاح ضده أمراً أكثر صعوبة.

وبهدف دعم الأبحاث الخاصة بفيروس كوفيد-19، قام شركة بايدو Baidu الصينية بإتاحة خوارزمية الطي الخطي Linearfold Algorithm الخاصة بها للاستخدام من قبل العلماء والفرق الطبية التي تعمل على مكافحة الفيروس.

وتم تطوير هذه الخوارزمية بالتعاون مع جامعة ولاية أوريغون وجامعة روشستر في عام 2019، وهي أسرع بكثير من الخوارزميات السابقة والمستخدمة في نفس المجال من أجل تحديد بنية الرنا الثانوية للفيروس والتي ستنتج عن عملية الطي.


 

وعند تحليل التغيرات البنيوية الثانوية لسلاسل الرنا ذات التركيب المتشابه (كما هو الحال بين البشر والخفافيش)، سنتمكن من فهم كيفية انتشار الفيروس بين الكائنات المختلفة على نحوٍ أفضل. وعندما تم استخدام خوارزمية الطي الخطي المطورة من قبل بايدو، تمكن العلماء من تخفيض الزمن اللازم لتوقع البنية الثانوية لفيروس كوفيد-19 من 55 دقيقة إلى 27 ثانية فقط، أي تم تسريع العملية بنحو 120 مرة.

وساهمت أيضاً خوارزمية الطي الخطي بالكشف عن معلوماتٍ هامة تتعلق بجزيء الرنا المرسال mRNA، وهو عبارة عن نسخة من الرنا المسؤولة عن إعلام الخلايا بضرورة تشكيل البروتينات. إذ كشفت الأبحاث الجديدة المعتمدة على خوارزمية الطي الخطي من بايدو أن البنية الثانوية للرنا المرسال ترتبط بعوامل هي نصف-العمر الوظيفي، حيث تملك تأثيراً على عملية تفسير (ترجمة) البروتينات.

ويعد الحصول على معلوماتٍ بهذه الأهمية حول بنية الرنا المرسال الخاص بالفيروس أمراً هاماً لناحية تقليل الزمن اللازم لتطوير لقاحٍ بكفاءةٍ عالية وقادر على إنقاذ حياة الآلاف، وربما الملايين.

ومن ناحية أخرى، وبهدف تأمين وسائل مراقبة وفحص سريعة وذكية تستطيع اكتشاف الحالات المصابة والإبلاغ عنها ليتم عزلها بشكلٍ فوريّ، لا سيما في الأماكن العامة ذات الازدحام الكبير مثل محطات القطارات ومواقف الحافلات وقطارات الأنفاق، قامت بايدو بتطوير عدة تقنيات تدعم الجهود المبذولة بهذا المنحى، ومنها تطوير نظام استشعار حراريّ يعتمد على برمجيات الذكاء الاصطناعي ويمكن استخدامه في الأماكن العامة والمرافق شديدة الازدحام من أجل تحديد ما إذا كان أحد المارة يعاني من حمى وحرارة مرتفعة، وهي من الأعراض الشائعة المترافقة مع الإصابة بفيروس كورونا.

ويتم استخدام هذا النظام حالياً في إحدى محطات القطارات في مدينة بكين للتعرف على الإصابات المحتملة من بين المارة، وهو قادر على فحص 200 شخص في الدقيقة الواحدة بدون إعاقة تدفق المارة أو إجبارهم على الانتظار طويلاً، كما هو الحال في إجراءات الفحص والتحقق التقليدية التي يقوم بها أفراد الطواقم الطبية، والتي تُسبب ازدحاماً كبيراً يزيد من خطر العدوى بين الأفراد.

 

6. المركبات ذاتية القيادة
تتطلب عملية مكافحة انتشار فيروس كورونا إتاحة وصول أكبر عددٍ من السكان لخدمات الرعاية الصحية، مع الحرص في ذات الوقت على عدم نقل العدوى من المصابين إلى الطواقم الطبية.

وهنا برزت الحاجة للمركبات ذاتية القيادة، حيث تستطيع القيام بالعديد من المهام التي تخفف من التماس المباشر بين الأشخاص وتساعد في تعزيز إجراءات الحجر الصحيّ المفروضة على المرضى، وذلك عبر توصيل المواد والطعام للأفراد في المناطق عالية الخطورة، بالإضافة لتنفيذها لعمليات تعقيم المشافي والشوارع بشكلٍ متواصلٍ.

وعملت شركة بايدو أيضاً على المساهمة في هذا المجال عبر منصة أبولو للعربات ذاتية القيادة الخاصة بها، والتي تستخدم لإيصال الطعام والمستلزمات المختلفة لمستشفى هايدان في العاصمة الصينية بكين. كما قامت الشركة بإتاحة منصة أبولو بشكلٍ مجانيّ للشركات الأخرى ليتم استخدامها في الجهود المبذولة لمكافحة فيروس كورونا.


 

خلاصة

يمكن تلخص الاستجابة الصينية لمرض كوفيد – 19، والتي تعد التجربة الأنجح في العالم اليوم على الرغم من كلفتها الكبيرة، بعبارة واحدة: الجرأة في اتخاذ القرارات والثقة بأن الشعب سيلبي هذه القرارات ويلتزم بها على صعوبتها.
وكانت النقطة الأهم التي تمثل اليوم السلاح الأهم ضد كوفيد-19 هي الوعي والثقة المتبادلة بين فريق إدارة الأزمة والمتأثرين بها، وهو ما يتطلب الشفافية والوضوح والتواصل المستمر، وبناء الثقة من خلال توضيح أهداف ومبررات كل خطوة، خصوصاً تلك التي تؤثر سلباً وبقوة على لقمة العيش للطبقة المتوسطة والفقيرة.
نرجو أن نكون قد وفقنا بهذا التقرير في إلقاء الضوء على التجربة الصينية في مكافحة فيروس كورونا المستجد.

ويمكنكم الإطلاع على الكثير من المعلومات حول فيروس كورنا المستجد، كوفيد-19، بمتابعة الموقع الخاص الذي أطلقه "بيت المحتوى"،  صحتك 19، باللغة العربية، ليكون مصدراً للمعلومات للمعلومات الموثوقة من مصادرها العالمية.

لتنزيل هذا التقرير على شكل PDF.. انقر هنا..